Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

نيسان - أيار 2017

التجديد للحاكم واجتناب الأزمة

 

                                   

جدّد مجلس الوزراء لحاكم مصرف لبنان لولاية خامسة تنتهي في منتصف العام 2023، وهذا القرار ليس حدثاً عابراً نمرّ عليه مرور الكرام خصوصاً في جمعية المصارف التي كانت في طليعة المنادين بهذا التجديد . ويُستنتج من المقالات التي كُتبت دعماً للتجديد ومن المداخلات التي حفَّزت عليه واستعجلته أربعة أسباب، نستعرضها بإقتضاب.

في مطلعها تأتي مقولة أن الظرف استثنائي، جرّاء الأحداث الدائرة في الدول المحيطة بلبنان والتي تجعل المخاطر تحاصر بلدنا. يضاف إليها ما يجري على حدودنا الشرقية حيث الجيش في مواجهة مفتوحة مع الإرهاب، الذي يجهد للتغلغل في النسيج اللبناني لإضعافه و/أو تفجيره.وعليه، فالحكمة تقضي بعدم تغيير القيادات في خضمّ الأحداث... بيدَ أن لبنان يعيش ظروفاً إستثنائية منذ ستينيّات القرن الماضي، فمقولة الظرف الإستثنائي ليست سبباً كافياً، إذ كلّ ما في البلد إستثنائي.

طُرِحَتْ على الساحة سبباً ثانياً مفاده أن التجديد للحاكم ضرورة للتعامل الفاعل مع مشروع القانون الجديد في مجلسَيْ النواب والشيوخ الأمركيّين، والذي يرمي إلى تعديل قانون مناهضة حزب الله والعقوبات عليه. وفي الخانة الإيجابية يندرج التعامل الناجح مع التشريعات التي صدرت عام 2015 ، خصوصاً الآلية التي أقرَّتها هيئة التحقيق الخاصة برئاسة الحاكم والتي أخذت في الإعتبار هواجس الداخل اللبناني، وكانت في الوقت ذاته مقبولة من الطرف الأميركي. ويعتبر أصحاب هذا الرأي الذي كان مرجّحاً في عملية التجديد للحاكم أن سعادته، بما له من علاقات واسعة مع الجهات الدولية وتالياً من مصداقية لديها، يبقى أفضل مَن يستطيع التعامل معها في سياق العقوبات الجديدة المرتقبة. هذه حقيقة ولكنها ليست كلّ الحقيقة. فالتعامل مع العقوبات الجديدة سيتطلّب تحرّكاً فاعلاً للدولة اللبنانية بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. وسيتطلّب متابعة حثيثة من جمعية مصارف لبنان التي قامت باتّصالات غير مسبوقة في محاولةٍ لوقاية البلد والقطاع المصرفي من الأضرار الجانبية الجسيمة التي قد تنتج عن مشروع القانون الجديد. فليس عدلاً تحميل الحاكم وحده هذه المسؤولية. وللحقيقة، فإن الدولة في تحرّكها الخجول على هذا الصعيد لا تزال مقصِّرة. وشرُّ البليّة أن لا سفير للبنان في واشنطن!. وحذارِ أن ندخله في زواريب السياسة اللبنانية الضيّقة.

ثمّة سبب ثالثٌ وراء التجديد للحاكم يتمثّل في موقف أهل السياسة ، الذين تبقى عينُهم على العديد من المؤسّسات التابعة أو المرتبطة بمصرف لبنان ، بما فيه فرص التوظيف التي توفّرها. فنظام المحاصصة في بلدنا لا يستثني ولا يرحم!

يتمثّل السبب الرابع والأخير في ضرورة الحفاظ على سياسة الاستقرار النقدي التي أرساها مصرف لبنان بثباتٍ على امتداد الولايات الأربع. ويعني الاستقرار النقدي استقرار أسعار الصرف كما تعني استقرار أسعار الفوائد التي تطاول اللبنانيّين أفراداً وأُسَراً ومؤسساتٍ في مدّخراتهم وفي مديونيتهم تجاه القطاع المصرفي. ويعني الاستقرار النقدي كذلك توفير التمويل للدولة إزاء عجزها المتمادي،نظراً لقصور مداخيلها عن تغطية نفقاتها. والجانب الأوضح والفعلي من الاستقرار النقدي، والإيجابي حتماً، يعود إلى القدرة الشرائية للمداخيل بالعملة الوطنية. وهذا البعد الإجتماعي للاستقرار النقدي جعل الرأي العام اللبناني بأغلبيةٍ وازنة يؤيّد التجديد للحاكم. فالناس تربط في ذهنها، صواباً أو خطأً، بين استقرار الليرة وشخص الحاكم. هذا هو الواقع.

الأسباب الأربعة التي حكمت التجديد للحاكم هل تعني أو يجب أن تعني التجديد للسياسات النقدية والمالية التي أُرسيت خلال ربع القرن الماضي؟!... ونضيف صفة "المالية" للسياسات لأن مصرف لبنان، أي حاكمه ، بالتعاون مع المصارف، جعلا تمويل الدولة ممكناً، وجعلا المالية العامة تستمرّ بالرغم من التوقّعات المتكرّرة لصندوق النقد الدولي بعدم القدرة على الاستمرار في هذا النموذج. وترتبط في ذهن مسؤولي المؤسسات المالية الدولية القدرة (أو عدمها) على الاستمرار، من جهة، بحجم المديونية العامة للدولة قياساً إلى حجم الاقتصاد وتؤشّر، من جهة ثانية، إلى حجم العجز في المدفوعات الخارجية قياساً إلى الاقتصاد. وطبعاً العجزان مترابطان عضوياً ويتغذّيان من فجوة الادخار والإنفاق في البلد.

يعود الفضل في تمويل الدولة إلى السياسة النقدية التي أرساها البنك المركزي وسهِرَ على استمرارها سعادة الحاكم. ومصطلح تمويل الدولة يغطّي حجم التمويل وكلفته واستمراريته تحت كل الضغوط والظروف التي مرَّت على البلد وعلى المنطقة والعالم. وللحاكم في إدارة هذا الدين دور واضح. وأن يحمل الداخل اللبناني 92% من الدين العام يعني أن أيَّ خلل قد يؤذي المدّخرات الوطنية. ومصرف لبنان يسهر على عدم حدوث هكذا خلل.

في موازاة الإدارة الكلّية للمالية العامة، يدير مصرف لبنان وتحديداً الحاكم توازن المدفوعات الخارجية واستقرار سعر صرف العملة الوطنية، وهي عملية معقّدة ومكلفة ودقيقة. فليس سهلاً الحفاظ على أسعار الصرف في أي بلدٍ يسجِّل ميزان مدفوعاته الجارية عجزاً مستداماً بنسبة 10% أو حتى لبعض السنوات نسبة 15% و17% كما عهد على إدراجه صندوق النقد الدولي في تقاريره الدورية عن لبنان. ونادرة جداً هي البلدان التي لديها عجوزاتٍ جارية بهذا الحجم. فالسياسة النقدية المتّبعة طوال 24 سنةً من خلال ربط سعر صرف الليرة بالدولار سمحت باجتذاب الأموال إلى لبنان، لا سيّما من اللبنانيّين بعد أن ضمُرت إلى الحدّ الأدنى، خصوصاً خلال السنوات الخمس الماضية، الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفي المحفظة. وباتت اليوم عملياً معظم مدّخرات اللبنانيّين إما بشكل ودائع لدى المصارف وإما مجمّدة في القطاع العقاري.

ومع نضوب هذه الموارد وعزوف أهل الخليج وتقلّص فوائضهم، بات صعباً الاستمرار في هذا النموذج الذي يحتاج إلى سيولة متعاظمة من الخارج تتدفق سنوياً إلى الاقتصاد. وتندرج عمليات المقايضة «السوابات» التي أجراها الحاكم عام 2016 في سياق تمويل العجز الجاري للبلد بصورة استثنائية.

من هنا ندرة الإقبال على الإضطلاع بمنصب الحاكم في لبنان. وقد بات التوازن المالي بالمفهوم الماكرو- إقتصادي عملية صعبة ومعقّدة الأداء. استقرار سعر صرف الليرة مهمة أوكلها قانون النقد والتسليف أساساً وأهل السياسة والقرار في البلد لاحقاً للحاكم. كلفتها باتت عالية، والمطلوب من سعادته في المرحلة القادمة سياسة بل سياسات بديلة لن تكون ممكنة إلاّ بشرطين اثنين: ضبط العجز في المالية العامة من جهة، وعودة النمو إلى الاقتصاد من جهةٍ أخرى. وكلاهما يستلزم سياسة فوائد مختلفة. فالاقتصاد يريدها منخفضة ، والدفاع عن الليرة يحتاجها مرتفعة. كما تتطلّب استمرارية النموذج، وهذا خارج سلطة الحاكم، تصحيحاً إقتصادياً يقوم على تقليص فجوة الادخار – الإنفاق في البلد. بكلامٍ آخر، المطلوب سياسات نقدية ومالية واقتصادية مغايرة لما كان قائماً. فهل مَن يُقدِم.. فنتفادى أزمة شاملة؟.


تم تحديث الصفحة في 06 حزيران 2017
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)