Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

آذار - نيسان 2016

مقتضيات إدارة الدولرة

 

في انتظار أن يتحوّل لبنان إلى اقتصاد متطور وإلى مجتمع منتج يوازن بصادرات السلع والخدمات وارداته من السلع والخدمات، يتحتّم علينا إدارة الاقتصاد بمعطياته الراهنة. والأوضاع الحالية تتَّسم بدايةً بنموٍ ضعيف يتمحور حول 1% إلى 1,5%، وهكذا نمو يعجز عن استيعاب العمالة الوافدة إلى سوق العمل أو القائمة فيه. والنتيجة : يُهاجر من الشباب من يجد إلى ذلك سبيلاً. وتتَّسم الأوضاع الحالية ثانيةً بنظام سياسي يفتقر إلى الحدّ الأدنى من المشروعية والكفاءة. استمراريته ترتبط بالعصبية الطائفية والمناطقية علماً أن سحرها إلى أفول وضمور كما عكسته الحركات الشبابية المعترضة ثمَّ الانتخابات البلدية في بيروت بخاصة. وتتَّسم الأوضاع الحالية من جهة ثالثة بضعف بنية وأداء المالية العامة للدولة التي تحتاج إلى تمويل سنوي، جديد ومتجدِّد، بالليرة وبالدولار يفوق عشر مليارات من الدولارات، وهو بحدود ثلاثة عشر مليار دولار لفترة نيسان 2016- نيسان2017 على سبيل المثال!!... ومعظم الإنفاق العام كما يدلّ على ذلك سوء أداء الإدارة في الخدمات العامة وتراجع البنى التحتية، هو أقرب إلى إعادة التوزيع الاجتماعي والريعي، مما يقوّي الزبائنية ويضعف الإدارات والمؤسسات العامة. وتتَّسم الأوضاع الحالية من جهة رابعة وأخيرة بإنكشاف متزايد للاقتصاد اللبناني على الخارج. وسنتوقف في هذه المقالة عند حيثيات ومقتضيات هذا الانكشاف الخارجي كونه يحتوي من ناحية أولى على مخاطر تبدو إدارتها كل عام أكثر تعقيداً وكلفةً، وكونه يطلّ بشكل كبير من ناحية أخرى على موضوع الالتزام بمعايير الصناعة المصرفية العالمية عموماً وعلى موضوع العقوبات بوجه خاص.

يوفر ميزان المدفوعات أفضل صورة لعلاقات لبنان الاقتصادية مع العالم والتي تتَّسم باختلالات بنيوية كبيرة. «وأُم الاختلالات»، استعارةً لتعبير أُم المعارك البلدية، تكمن في عجز الميزان التجاري للسلع والخدمات. فتجارة السلع والخدمات، تصديراً واستيراداً، تقارب 40 مليار دولار! ما يُفضي إلى عجز في الميزان التجاري للبلد يفوق حالياً 13 مليار دولار، أي ما نسبته زهاء 24% من الناتج المحلي الإجمالي استناداً إلى المعطيات الإحصائية التي تنشرها المؤسسات المالية الدولية. وإذا أضفنا صافي تحويلات اللبنانيّين، لأصبح العجز الجاري بحدود 8 إلى 9 مليارات دولار، أي ما يوازي 15 إلى 17% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2015. وهي نسب مرتفعة ومقلقة بكل المقاييس العالمية. ولا يفتأ صندوق النقد الدولي ينبّه إليها، ووجه الخطورة فيها يعود إلى صعوبة تأمين تمويل سليم لها من خلال استثمارات وإيداعات غير المقيمين الصافية لدى الجهاز المصرفي. وتشير كل المعطيات المتوافرة إلى تراجع وتيرة التدفقات النقدية بشكل عام والاستثمارات بشكل خاص باتجاه لبنان نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية المحيطة بلبنان مع الدول العربية. وليس أدلّ على تراجع التدفقات المالية باتجاه لبنان من عجز ميزان المدفوعات الذي  بلغ 3,4 مليار دولار عام 2015 وحده حسب إحصاءات مصرف لبنان والذي وصل متراكماً الى 7,4 مليار دولار خلال السنوات الأربع الأخيرة 2012، 2013، 2014 و2015. إن تمويل هذه العجوزات حفاظاً على مقوّمات معيشة اللبنانيّين يستنزف حكماً الموجودات الخارجية الصافية للجهاز المصرفي التجاري والمركزي. ويجهد مصرف لبنان، بالتنسيق مع المصارف، في تأمين هذه الإحتياجات التمويلية للبلد. ومن الضروري أن تساعد القوى السياسية - وأكثرها حضوراً - في استمرار هذا التوازن المالي الدقيق، دون الحاجة إلى تعقيد الوضع او دفعه إلى التأزيم.

بالإضافة إلى حجم تعاملنا مع الخارج والذي نقدّره بحوالي 60 مليار دولار في الاتجاهين استناداً إلى الحسابات التجارية والمالية المنوَّه عنها أعلاه في ميزان المدفوعات، هناك حجم هام بدوره ينتج عن العلاقات المصرفية بين القطاع المصرفي اللبناني والأسواق العالمية. فالميزانية المجمّعة للقطاع المصرفي تشير إلى إجمالي موجودات ومطلوبات مع الخارج يفوق بدوره 61 مليار دولار! ما يعني في المحصّلة حجماً من العلاقات الاقتصادية والمالية والمصرفية يفوق 120 مليار دولار. هذا الحجم من التعامل مع الخارج محرّر ويجري بالدولار الأميركي بنسبة تفوق 90%، أي أن هذا التعامل يمرّ حكماً وفي معظمه بالمصارف الأميركية المراسلة للمصارف اللبنانية ولمصرف لبنان. فالموضوع المطروح ليس خضوع السلطات المالية والنقدية والمصارف لإملاءات تفرضها هذه الجهة الدولية أو تلك، بل على العكس تماماً! فالسلطات والمصارف تبذل جهوداً مكثفة وهادئة ومنتظمة ومكلفة لإبقاء التدفقات النقدية والمالية بين لبنان والنظام المالي العالمي قائمة وفي مصلحة الاقتصاد والناس، كل الناس في لبنان.

فالالتزام بمعايير الصناعة المصرفية العالمية بما فيها العقوبات هو أولاً وأخيراً مصلحة لبنانية حيوية. السلطات المالية والنقدية وإدارات المصارف حريصة كل الحرص على المصلحة العامة وحريصة على كل المتعاملين مع المصارف، مودعين ومقترضين. لدى القطاع ما يقرب من 6.9 مليون حساب دائن ومدين! وهذه الحسابات الدائنة والمدينة موزّعة على كل أقضية لبنان وعلى كل مدنه وبلداته. وحصة الطوائف منها متناسبة مع وزن كل منها الاقتصادي والديمغرافي!.. ولسنا بحاجة للدخول في مزيد من التفاصيل.

يخجل الواحدُ منا من الذهاب إلى هذا المستوى من المحاججة. فالمطلوب أن نعمل جميعاً على تمتين وتحصين القطاع المصرفي. وجوهر تحصينه يكمن في الحفاظ على علاقاته الشفّافة والسليمة مع الأسواق المالية في العالم، والأميركية منها بنوعٍ خاص. يضع العالم الذي نحن جزءٌ منه قواعد للّعبة، تماماً كما تضع الفيفا قواعد للعبة كرة القدم. والدول والأندية إن أرادت أن تشارك لا بدَّ لها من احترام هذه القواعد. والفيفا طبعاً لا تُرغِم أي بلد أو أي نادٍ رياضي على المشاركة!... وقواعد العمل التي تحترمها مصارفنا هي ذاتها التي تحترمها كل المصارف في العالم، بما فيها المصارف الأميركية وبما فيه تجاه المواطنين الأميركيّين والشركات الأميركية. ومن يتفحّص لوائح الـ OFAC ولوائح الأمم المتحدة واللوائح الأوروبية يطّلع على الكمّ الهائل من الأشخاص والمنظمات والشركات المدرجة.

المصارف لا تسعى فقط كسائر المؤسسات إلى إدارة المخاطر وتحقيق عوائد على رساميلها بل تسعى إلى حماية مدخرات الناس. إنها تحمل الهم الوطني بامتياز.



تم تحديث الصفحة في 20 أيار 2016
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)