Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

تموز 2016

الانكشاف على الخارج

وتراجع الاقتصاد

                                                  

مُعظم كي لا نقول كل المؤشرات التي تعدُّها وتنشُرها الإدارات والمؤسسات ذات العلاقة بما فيها مصرف لبنان وبعض المصارف، تُظهِر تراجعاً في حجم النشاط الاقتصادي في لبنان بشكلٍ عام وفي بعض الأنشطة الهامة بشكلٍ خاص. ويعود الركود الاقتصادي المشهود إلى سوء ممارسة السلطة من قٍبَلْ مًن يتولونها من جهةٍ وإلى الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي تسود في محيطنا الإقليمي من جهة ثانية. وتجهد المصارف العالقة بين سندان الداخل ومطرقة الخارج إلى إدارة لمخاطرها تحمي من خلالها الودائع وتحافظ على الحدّ الأدنى من الربحية وعلى الحدّ الأعلى من التوظيفات السائلة. ويظل تنويع المخاطر، كتقنية إدارية، غير كافي لإطلاق النمو بمعدّلات تسليف قادرة على استيعاب العمالة الوطنية الوافدة سنوياً الى  سوق العمل. و يبقى توزيع المخاطر غير كافي كذلك لتعديل الموازين الخارجية التي تسجِّل عجوزات بمستوياتٍ يجدر بالطبقة السياسية الغارقة في الفساد ومصالحها الضيقة والعاجزة عن جعل مؤسسات الدولة تعمل بالحد الأدنى من الكفاءَة يجدر بهذه الطبقة التنبه الى توسع وتعمق الاختلالات الماكرو اقتصادية والاجتماعية فلا ينقلب السحرُ على السحرة جميعاً صغارهم وكبارهم !...

المؤشرات في العادة تخبئ أكثر مما تكشف. بيدَ أن ما تكشفه يكفي لجعل الإنذار جدّياً جداً. فمؤشر الأسعار الذي تُعِدّهُ وتنشرَهُ مؤسسة الأبحاث والاستشارات سجَّل خلال فترة الأشهر الإثني عشر المنصرمة متوسطاً متحركاً قدره 0,88 ما يُعبِّر عن ركود إقتصادي تحاول أوروبا واليابان الخروج منه بشراء كثيف للأوراق الحكومية التي تحملها مصارفها ودون جدوى تُذكر حتى الآن نظراً لاستنكاف المستثمرين عن الاستثمار بالرغم من انخفاض أسعار الفوائد إلى مايقارب بل يدنو أحياناً من الصفر. طبعاً لا تستطيع السياسة النقدية في لبنان محاكاة هذه المستويات من معدّلات الفوائد المنخفضة خوفاً على الاستقرار المالي الذي أرسته طيلة ربع قرن بكلفة إقتصادية على حساب النمو وبكلفة إجتماعية على حساب العمالة والمداخيل.

مؤشر آخر يقيس تجارة التجزئة أو الاستهلاك ويُعرَفُ باسم مؤشر جمعية تجار بيروت – فرنسبنك يُظهر تراجعاً مقداره 6,88% خلال الفصل الثاني من العام 2016 مقارنةً مع ذات الفترة للعام 2015. ويلاحظ أن هذا المؤشر ظلَّ في منحى إنحداري طيلة الفترة 2011 - 2016 حيث تراجع من 100 إلى 48,93 (مع استثناءٍ يتيمٍ للفصل الثاني من العام 2012). وللمرة الاولى منذ بدء احتسابه (100 الفصل الرابع 2011) ينخفض عن مستوى 50!!. ويتقاطع مع مؤشر مؤسسة الأبحاث والاستشارات CRI المشار اليه أعلاه.

ويُظهٍر مؤشر مصرف لبنان BDL Coincident Indicator تراجعاً ولو طفيفاً (- 1,5) خلال الفترة المذكورة – الفصل الثاني 2015 (277,7) مقارنةً مع الفصل الثاني 2016 (273,5). كما يُظهر أن وتيرة الانخفاض تسارعت منذ نهاية العام 2015 (302,3) مقارنةً مع نهاية الفصل الثاني من العام الجاري 2016 (273,5) أي بنسبة فاقت 9,5%!!...

وسجَّل في ذات الإطار مؤشر بنك لبنان والمهجر BLOM Lebanon PMI تراجعاً خلال الفترة حزيران 2015 / حزيران 2016 مقداره 9,94% من 49,3 إلى 44,4. ولم يَشهد المؤشر هذا الحجم من الانخفاض منذ بداية احتسابه في أيار 2013. ويعكس مؤشر BLOM متى انخفض عن مستوى 50 تدهوراً في شروط عمل ونشاط القطاع الخاص في مجالي الانتاج (Output ) والعمالة (Employment ).

ويُظهر أخيراً مؤشر بنك بيبلوس/الجامعة الاميركية Byblos Bank / AUB والمعروف بـ CCI (Consumer Confidence Index ) تراجعاً بلغ 4,9% في متوسط الفصل الاول من العام 2016 منسوباً الى الفصل الاول 2015. ويتعدى التراجع 23% بتنسيب شهر آذار 2016 الى شهر آذار 2015.

هذه المؤشرات التي تقيس مستوى وتطور النشاط الداخلي، الإنتاجي والاستهلاكي، تشمل ضمناً الاستيراد والتصدير وهما مكونان أساسيان في لبنان من حركتي الانتاج والاستهلاك. وعليه من الطبيعي أن نشهد تراجعاً في اللاستيراد خلال الفترة 2011 – 2015 بما يزيد عن ملياري دولار وبنسبة فاقت 11,5%. وطبعاً ينسحب هذا التراجع على العام 2016 حيث بلغ الاستيراد للنصف الأول من العام 8013 مليون دولار. أي 16 ملياراً لكامل العام الجاري اذا استمر ذات المنحى الانحداري. ومن الملاحظ أن حركة التصدير تراجعت للفترة ذاتها (2011 – 2015) من 4,3 مليار دولار إلى 2,96 ملياراً أي بنسبة قاربت 45%!!.. ما يُعبِّر أياً تكن الظروف والمعطيات عن تآكل في القدرة الانتاجية والتنافسية للاقتصاد اللبناني. ما جعل العجز التجاري يبقى عند مستوىً مرتفعٍ ويفوق 15 مليار دولار للعام 2015 رغم التراجع الملحوظ للاستيراد. طبعاً هذا العجز التجاري ليس جديداً بل تاريخياً ومزمناً في لبنان بيدَ أن الجديد هو في تمويله. ويُقدِّر مصرف لبنان على هذا الصعيد أن حسابات الخدمات والمداخيل والتحويلات الجارية وفرَّت للبلد عام 2015 مبلغاً صافياً قارب 7 مليارات دولار. فنتج عنه عجز جاري قدره 8151 مليون دولار أي ما نسبته 16% من الناتج المحلي الإجمالي المقدَّر بدوره بـ 50,8 مليار دولار وهذه النسبة من هذا العجز الجاري الى الناتج تعتبر من الاعلى عالمياً!. كما تُشير الإحصاءَات التي ينشرها مصرف لبنان إلى أن عجز ميزان المدفوعات الخارجية بلغ 3354 مليون دولار مع نهاية العام 2015. ما يعني ضمناً أن حركة الرساميل بما فيها الاستثمارات الأجنبية والتسهيلات التجارية وودائع غير المقيمين يُقدَّر أن تكون قد أدخلت إلى البلد مبلغاً صافياً قارب 4,8 مليار دولار فتقلصت بنتيجتها كثيراً الفجوة بين العجز الجاري والعجز في إجمالي المدفوعات الخارجية. وتؤكد المعطيات المتوفرة للستة أشهر الاولى من العام 2016 استمرار الاختلالات إن على صعيد الميزان التجاري (8 مليار دولار) أو على صعيد ميزان المدفوعات (1774 مليون دولار).

واستكمالاً لصورة الحسابات القومية يجدر التوقف عند أوضاع المالية العامة للدولة. فالإنفاق العام ومن ثم العجز العام يساهمان بشكلٍ أساسي في العجوزات الخارجية لكونهما جزءٌ لا يجزأ من الحركة الاقتصادية إنتاجاً واستهلاكاً. وحرصاً على اتساق الأرقام في هذا المقال تجدر الإشارة إلى أن المدفوعات الإجمالية الفعلية ارتفعت من 11.7 إلى 13,5 مليار دولار بين العامين 2011 – 2015 أي بنسبٍ بلغت تباعاً 19,1% و 26,7% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد حالت الأوضاع السياسية القائمة دون التوسع بالإنفاق العام نتيجة الشلل في مؤسسات الدولة وغياب الموازنات العامة وانحسار الإنفاق على البنى التحتية. وقد ساهمت شروط تمويل المديونية العامة في الحدّ من تفاقم النفقات حيث شكَلت خدمة الدين نسبة 34,3% من المدفوعات الإجمالية مقابل 34,7% تباعاً للعامين 2011 و 2015. في حين ارتفعت المديونية العامة من 53,7 إلى 70,3 مليار دولار للفترة ذاتها!.. بالمقابل ارتفعت كلفة الرواتب والأجور وملاحقها كنسبةٍ من المدفوعات الإجمالية من 31,4 مليار دولار إلى 34,7% لذات الفترة. ومن المتوقع ان ترتفع حصة الاجور والرواتب اذا ما اُقرّت الموازنة الجديدة للعام 2017 وقد ضمنها معالي وزير المالية مترتبات سلسلة الرتب والرواتب. ولفهم الفوارق في التغيرات المشار إليها  بين ارقام الانفاق والمديونية لا بدَّ من العودة إلى تفاصيل الحسابات وأرصدتها بين وزارة المالية والبنك المركزي حيث يتبيّن أن إيداعات الوزارة البالغة تقريباً 5 مليارات دولار هي محررة بالليرة اللبنانية وقروض المركزي لخزينة الدولة تقارب 10 مليارات دولار وهي محررة بالعملات الأجنبية.

في موازاة التطورات التي توقفنا عندها على صعيد الاقتصاد وتجارة لبنان الخارجية والمالية العامة يسجل القطاع المصرفي معدّل نمو في إجمالي موجوداته قدره 5,8% خلال العام 2015 و 2,34% للنصف الأول من العام 2016 الجاري وقد ذهبت كل هذه الزيادة عملياً إلى تمويل القطاع الخاص في لبنان. ذلك أن زيادة ودائع المصارف لدى البنك المركزي تأتت من إيداعاتها بالعملات لدى المصارف المراسلة على حساب السيولة الأجنبية في الخارج. فيما بقي التمويل المصرفي للقطاع العام مستقراً عند مستوى 37,5 مليار دولار مع نهاية حزيران 2016 مقارنةً مع 37,8 ملياراً مع نهاية العام 2015!.. وينسجم ذلك مع ما أشرنا إليه أعلاه حول استقرار الإنفاق العام الفعلي وحول ضخامة تمويل البنك المركزي للخزينة بالعملات.

كل هذه التطورات والمعطيات خاصةً ما يتعلق منها بالعلاقات التجارية والمالية والمصرفية مع الخارج تتطلب وقفةً جادة من قبل مجتمع السياسة بل المجتمع اللبناني ككل. فهذه المتغيرات السلبية في مجملها غير قابلة للاستمرار كما هي. وتتطلب إصلاحات بنيوية تحدّ من جهة اولى من حجم الانكشاف الخارجي وتُعيد من جهة ثانية الانتاج والاستهلاك للسلع والخدمات المنتجة محلياً إلى مستويات أعلى. فتوفير العملات الأجنبية لتمويل الانكشاف الخارجي يُخشى أن يُظهِر مفاجآتٍ على كل المستويات لن ينفع معها الندم والتباكي على عدم ارساء سياسات اقتصادية ومالية في وقتها ومؤاتيه لواقع الاقتصاد والاجتماع في لبنان.


تم تحديث الصفحة في 29 آب 2016
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)