Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

أيار - حزيران 2016

المالية العامة: المعالجة المستحيلة!

 

حسناً فعَل معالي وزير المالية بإعادة طرح مسألة المالية العامة على طاولة مجلس الوزراء، وتالياً للنقاش العام في البلد. وغالب الظنّ أن أحداً من الناس أو الاقتصاديّين "الخبراء" لا يتوقّع أن يُفضي هذا المسار إلى أية معالجة جذرية. ذلك أن المالية العامة، التي توَّلتها عملياً وتباعاً كل القوى والتيارات السياسية في البلد – اللّهم باستثناء أحدها ! – من خلال حكومات الطائف المتعاقبة لعقدين ونيفٍ من الزمن، تعبِّر عن نهج متأصِّل في الحكم وإدارة السلطة يصعب تغييره إلاّ بثورةٍ عارمة في البلد تجهضها دوماً المصالح والنزاعات الطائفية في مهدها أو بداياتها كما حصل للحراك  الشبابي الأخير. وتترابط السياسة المالية بقوةٍ وتماسكٍ مع السياسات النقدية التي ارتضَتْ بها الحكومات المتعاقبة منذ الطائف وقد صدّقت عليها كل البرلمانات، إمّا بتصويت على الموازنات أو بغياب التصويت حيث يتساوى، عندما يتعلّق الأمر بحجم الإنفاق، التصويت وعدمه. فالتصويت على الموازنات العامة، وهو الوظيفة الأساسية لكل المجالس النيابية في العالم، نفتقد إليه في لبنان بتوافقٍ ضمنيٍ بين كل ممثلي الشعب اللبناني بغضّ النظر عن محاولاتٍ خفورة تطفو على السطح من حين إلى آخر، ونادراً بل ولا مرّة كانت تهدف إلى الدفاع عن "المصلحة العامة" للناس! الأساس في المالية العامة هو ضبط المحاصصة، أي نظام توزّع المغانم من خلال سلطة الدولة. وسلطة الدولة الفعلية تتوزّعها الطوائف الأقوى والأصحّ ممثلوها، كما تظهره مراجعة أجرتها بجرأة إحدى وسائل الإعلام المكتوبة في ما يخصّ المناقصات "الحبّية" التي أدار بها مجلس الإنماء والإعمار مشاريع البنى التحتية طيلة فترة عهد جمهورية الطائف المستمرّة. علماً أن إنفاق مجلس الإنماء والإعمار يبقى نقطة صغيرة في بحر الإنفاق العام. فقد بلغ الأخير في العقدين ونيّف الماضيين حوالى 8 مليار دولار بما فيه كلفة سوكلين في حين أن مجمل الإنفاق العام تخطّى في فترة 1992 – 2015 ما قيمته 186.5 مليار دولار، وقد شكّل إنفاق مجلس الإنماء والإعمار 4.3% منه فقط.

بالعودة إلى البداية، حسناً فعل معالي وزير المالية إذن بإعادة طرح موضوع المالية العامة ليس من منطلق النيّة بالمعالجة والإصلاح مهما حَسُنَت النيّات، بل من منطلق إعلام الناس وشفافية الأرقام. وتقتضي هذه الشفافية منا التذكير بأن معدّل العجز العام إلى المدفوعات الإجمالية ارتفع خلال فترة السنوات الخمس الماضية من 20% عام 2011 إلى 29% عام 2015، وبلغ ذروته عام 2013 حيث وصل الى 31%. وكنسبةٍ من الناتج المحلي الإجمالي ، ارتفع العجز العام للمالية من 5.8% إلى 7.8% وقد سجَّل نسبةً قاربت 9% عام 2013. لم نتوقّف عند نسب العجز عام 2014 إلى المدفوعات (22%) أو إلى الناتج المحلي(16.2%) لأسباب تقنية ومحاسبيّة ميَّزت العام المذكور. ولن نتوقّف كذلك عند الأشهر الثلاثة الأولى (الفصل الأول) من العام 2016 الجاري كونها لا تعكس، لأسباب تقنية ومحاسبيّة أيضاً، منحى العام بكامله. فنفقات الدولة لا تتّم بوتيرة شهرية منتظمة، وإن تمّت فتسجيلها المحاسبي غير منتظم. وهذه ظاهرة ملازمة لواقع المالية العامة في لبنان على الأقل منذ العام 1993 حتى الآن.

وبالعودة إلى حقيقة الأرقام، فإن العجز العام البالغ في متوسط السنوات 2011 – 2015 حجماً يفوق 3.5 مليار دولار سنوياً قد غذّى بدوره الإرتفاع في حجم المديونية العامة الذي فاق معدّله السنوي للفترة المذكورة ذاتها 4.1 مليار دولار. ويعبِّر التفاوت بين الرقمين عن المبالغ الإضافية التي راكمتها الخزينة في ما تخطّى حاجاتها التمويلية، وما يساهم في الاستقرار النقدي من خلال آلية امتصاص السيولة النقدية بالليرة اللبنانية. يبقى أن حجم الدين العام السنوي البالغ كما ذكرنا أكثر من 4 مليارات دولار يتعدّى بشكل ملحوظ الزيادة السنوية التي سجَّلها الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات 2011 – 2015، وقدرها 2.66 مليار دولار في المتوسط السنوي. فتفاقمت بفعل هذا التطور نسبة المديونية العامة إلى الناتج من 133.8% عام 2011 إلى 138.6% عام 2015. ولا نعتقد أن بإمكان السلطتين المالية والنقدية ، في ظلّ واقع التنسيق القائم، إرساء سياسات مغايرة لتلك القائمة منذ مطلع التسعينيّات من القرن الماضي. فالتغيير يحتاج إلى تعديل في جوهر ممارسة السلطة، فتتعدّل معه مواقع الأطراف من سلطة الدولة وتالياً من المحاصصة والهدر المنظّم. طبعاً، لم يشأ صندوق النقد الدولي إنجاز ونشر تقريره عن الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية في لبنان، والمعروف بتقرير المادة الرابعة (Article 4 )، ربّما لعدم رغبة الدول المقرّرة في مجلس إدارة الصندوق في مفاقمة الواقع الذي نتخبّط به جرّاء الإرهاب المحيط بنا. كما قـرّرت عدم نشر التقرير المنجز عن الاستقرار المالي. وفي ذلك شيء من الحكمة والدراية.

أخيراً، رُبَّ سائلٍ عن موقع ودور القطاع المصرفي، المركزي والتجاري، في ذلك كلّه؟! ولضيق المجال، نكتفي بأن نذكر من عناصر الإجابة مؤشِّرين إثنين: يعود الأول إلى خدمة الدين التي تشكِّل مكوِّناً أساسياً من النفقات العامة وبنسبةٍ بلغت في متوسط السنوات الخمس الماضية 31.6% قياساً إلى المتوسطات التي احتسبناها أعلاه. وتجدر الملاحظة على هذا الصعيد أن خدمة الدين منسوبةً الى المديونية العامة انخفضت، نعم انخفضت، من معدّل 7.45% إلى 6.65% بالرغم من ارتفاع حجم المديونية العامة في فترة 2011 - 2015 من 53.6 إلى 70.3 مليار دولار أميركي!... ويعود الانخفاض إلى الجهد الذي بذلته المصارف ومصرف لبنان لمحاصرة التفاقم المالي. أما العنصر الآخر للإجابة، وهو في صلب الاقتصاد والاجتماع، فيكمن في استمرار الاستقرار النقدي رغم كل الأزمات والمخاطر المحيطة بالبلد وما يترتّب عليه من تكلفة. فالاستقرار النقدي يحمي ، من جهة ، مستوى معيشة اللبنانيّين وبخاصةٍ ذوي الدخل المحدود ، وهم الأغلبية الساحقة ويرتبط استمراره ، من جهة ثانية، بقدرة المصارف على تنمية الودائع بحيث تؤمّن التمويل بشروط مقبولة للدولة وللقطاعات الاقتصادية وتحافظ على رفد البنك المركزي بحجمٍ كافٍ من الاحتياطي النقدي بالعملات الأجنبية. بيدَ أن هذا النموذج بدأ يصل إلى حدوده بفعل الأوضاع السياسية والأمنية التي تَضعُفْ بفضلها سلطة الدولة وتتآكل، فيعزف المستثمرون اللبنانيون قبل الأجانب عن الاستثمار في البلد فتتراجع معدّلات النمو (1.2% حالياً). ويلاحَظ أن الموجودات الأجنبية الصافية للجهاز المصرفي (المصارف ومصرف لبنان) تراجعت خلال فترة 2011 – 2015 من 29 مليار دولار إلى 21 ملياراً. والعجوزات المتراكمة في ميزان المدفوعات الخارجيّة مستمرّة ... وتستمرّ معها عملية استنزاف مخزون القطع الأجنبي للبلد.

في رأينا أن المعالجة التي يمكن أن توقف هذا المنحى، والتي قد يكون معالي وزير المالية يريد إطلاق أولى خطواتها، تقوم على ثلاث سياسات: تتمثّل الأولى في ضبط المالية العامة، ويكون ذلك بالحدّ من مسارب الهدر والفساد المنظَّم في العديد من المؤسّسات والإدارات والمرافق العامة؛ وتعود الثانية إلى ضرورة التصحيح الاقتصادي الفعلي بزيادة الصادرات وبتقليص الواردات من السلع والخدمات، ويحتاج ذلك كما لا يفتأ يردّد بعض الاقتصاديّين، الى إرساء نظام إنتاج/استهلاك مغاير لنظام الريع، بل نضيف نظام المحاصصة؛ وثالث السياسات المطلوبة تستدعي تقوية سلطة الدولة من خلال ركيزتَيْ احتكارها للضريبة وللقوة. الكلام سهل لمَن يكتبون في الاقتصاد، ونحن منهم، أما التنفيذ فمسألة أخرى. وما ينسحب على أهل الاقتصاد ينسحب على أهل السياسة، ومنهم معالي وزير المالية. فليسعفه الحظ والله!...


تم تحديث الصفحة في 29 آب 2016
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)