Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

آب 2016

تبادل المعلومات الضريبية: فرصة أم لعنة للبنان المغترب!!

                                  

يطاول موضوع تبادل المعلومات الضريبية الذي اعتُمِدَ عالمياً من قبل منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية (OECD ) الاغتراب اللبناني بأذىً كبيرٍ، إذا انضمَّ لبنان إلى " اتفاقية التبادل التلقائي للمعلومات المالية " بدون اتّخاذ التدابير اللازمة التي تحصِّنه. وسنوضح ذلك في هذه المقالة المقتضبة مع التوقف عند التعديلات التشريعية المطلوب إدخالها أو إلغاؤها!..

بغضّ النظر عن تشوّهات سوقيْ التعليم والعمل، يشكِّل الاغتراب اللبناني بدايةً مكوِّناً هاماً من بنية الاقتصاد اللبناني الاجتماعية والاقتصادية. فقلَّما تجدُ أسرةً في لبنان من أصل المليون أسرة المكوِّنة للنسيج الاجتماعي اللبناني إلاّ ولديها مغتربٌ واحد أو على الأقل شخصٌ يعمل في الخارج. مع ما يستتبع ذلك من تحويلاتٍ للأُسَر المقيمة ومن تسهيلٍ لاغتراب أو سفر أفراد آخرين من الأسرة ذاتها أو من الأُسَر القريبة، وأخيراً من العودة دورياً إلى لبنان لأغراض السياحة أو لشراء قطعة أرض أو لبناء منزل في القرية الأم أو لتملّك شقةٍ سكنية في الأحياء المُدنية حيث يقيم الأهل والأقرباء! وفي النهاية، الكلّ يأتي إلى البلد للاستشفاء أو للزواج وما إليها من مناسبات إجتماعية أو دينية للّبنانيّين على اختلاف طوائفهم.

وبغرض تقديم موضوع التبادل التلقائي للمعلومات الضريبيّة، يجدر التذكير بأن مجموعة الدول العشرين G20 ، وتماثلاً مع التشريع الأميركي المعروف بقانون " فاتكا" FATCA ، بلورت هذه المعايير على مدى خمس سنوات (2009-2014)  الى أن أقــرّ صيغتها النهائية رؤساء الدول الأعضاء خلال مؤتمر قمة الدول العشرين في بريسبان Brisbane في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2014. وتهدف هذه الاتفاقية الدولية إلى الحؤول دون تهرّب غير المقيمين من سداد ضرائبهم عن الأموال التي يملكونها خارج أوطانهم أو خارج دول إقامتهم الفعلية. ويُعتبر تبادل المعلومات المدخل لمنع التهرّب الضريبي على هذا الصعيد.

وبغضّ النظر عن آليات التبادل الضريبي والتي لم تتوضّح بعد وفيما خصَّ اللبنانيّين، سوف يترتّب على انضمام لبنان الى هذه المعاهدة الدولية، من جهة، أن يفصح لبنان للدول الأخرى عن مبالغ ومداخيل وعوائد توظيفات غير المقيمين من رعايا هذه الدول الأخرى لديه. ويعني ذلك رفع السريّة المصرفية من خلال هيئة التحقيق الخاصة ربّما، بحيث نتمكّن من إعطاء المعلومات عن ودائع غير المقيمين لدى المصارف في لبنان – المبالغ، بأيّة عملات والفوائد عليها...- لدول إقامتهم.

في المقابل، ستوفّـر الدول الأخرى للسلطات اللبنانية المعلومات كافة عن ودائع وتوظيفات وعائدات أموال اللبنانيّين المقيمين في لبنان والموظّفة في الخارج، فتتمكّن عندها السلطات المختصّة في لبنان من استيفاء الضرائب على هذه الموارد. ظاهرياً، لا مشكلة في التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية، لكنه في الحقيقة يطرح لنا وعلينا مجموعة من الإشكاليّات المؤذية للبنان، وذلك على أربعة أصعدة.

-      تكمن أولاً أولى الإشكاليّات في رفع السريّة،على سبيل المثال، عن ودائع المغتربين المودعة في لبنان وإعطائها لدول الانتشار اللبناني من كندا إلى أستراليا ومن أفريقيا وأوروبا إلى أميركا اللاتينية، ما قد يعرّض اللبنانيّين العاملين والمقيمين في هذه الدول لشتّى أنواع الملاحقة وصولاً ربما إلى سجنهم بجرم التهرّب الضريبي!.. لعدم الإفصاح المالي الكامل إلى سلطات هذه الدول.

-      وتكمن ثاني الإشكاليّات بالنسبة إلينا في أن اللبنانيّين في دنيا الاغتراب قد يقرّرون سحب أموالهم من لبنان بحجّة عدم تمتّعه بالسريّة المصرفية التي اجتذبتها أساساً. كما أن  الفائدة من الإيداع في لبنان قد تنتفي إذ تصبح مدّخراتهم في لبنان مجدداً عرضةً للتكليف الضريبي في بلدان إقامتهم أو عملهم. والحقيقة أن معظم الأموال المحوَّلة إلى لبنان قد خضعت في بلدان تحقّقها إلى الضريبة على الأجور أو الأرباح أو الشركات. فلمَ نعرّضها للتكليف مرةً ثانية؟.

-      وثالثاً، سيؤدي إعطاء الدول الأخرى معلومات للسلطات في لبنان عن الأصول والمداخيل المالية للّبنانيّين المقيمين في لبنان ربما إلى ابتزاز سياسي ومالي كبير في بلدٍ يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الأمان ومن احترام القانون ومن سلطة الدولة.

-      رابعاً وأخيراً قد تتعرّض هذه المدّخرات الموظّفة في الخارج إلى عمليات الاحتيال والـقرصنة  Hacking ، إذا تمَّ تسريب المعلومات المعطاة للبنان بشأنها. فالمعلومات ستتضمّن استناداً إلى معايير التبادل التي أُقـرَّت، بالإضافة إلى المبالغ ومردودها، الأسماء الكاملة لأصحابها بما فيه تاريخ الولادة والأرقام الكاملة للحسابات وأرصدة الحسابات! فيسهل على شبكات القرصنة العالمية اختراقها والتلاعب بها. وما ينطبق على الأصول المالية للأفراد ينسحب بالكامل على حسابات وأصول الشركات اللبنانية العاملة في الخارج.

إزاء هذه المخاطر، كيف يمكن للبنان أن يتعامل مع هذه المعاهدة المطلوب الانضمام إليها لئلاّ يُدرَج إسم لبنان على لائحة الدول غير المتعاونة وغير الموقّعة!؟... في اعتقادنا، يمكن العمل على ثلاثة أصعدة.

يأتي في مقدّمها إنضمام لبنان إليها، إذ لا مفرّ من ذلك. ومهلة الانضمام تنتهي في 26 أيلول الجاري حسب روزنامة المنتدى العالمي (Global Forum ) الذي يدير عملية تبادل المعلومات ضمن منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية (OECD ). وبعلمنا، أن معالي وزير المالية طرح الموضوع على جدول أعمال مجلس الوزراء. ولكن، حتى إذا أقرَّته الحكومة، فسيحتاج إلى المصادقة على الانضمام إلى المعاهدة الدولية بقانون يقرّه المجلس النيابي، على أن يتضمَّن تعديلات جذرية لقانون تبادل المعلومات الضريبية رقم 43 الذي تمَّ إقراره نهاية العام 2015 والذي وجدته المنظمة الدولية (OECD ) غير ملائم.

 

ومن المفيد الإشارة الى أن مصرف لبنان بادر إلى إصدار التعميم الأساسي رقم 138 تاريخ 5 آب 2016. ويوجب هذا التعميم على المصارف إتّخاذ كافة الإجراءات لتزويد هيئة التحقيق الخاصة  بالمعلومات التي قد تطلبها السلطات الأجنبية في إطار هذه المعاهدة الدولية. فيكون مصرف لبنان بذلك وضع اللبنة الأولى لإلتزام القطاع المصرفي في لبنان.

يكمن المستوى الثاني للتعامل مع هذا الموضوع الهام في وجوب إقرار المجلس النيابي تشريعاً إما ضمن التعديلات المطلوب إدخالها على القانون 43 أو بقانونٍ منفصل/مستقل. المهم أن يصبح لدينا تشريع ينصّ صراحةً على إعفاء مداخيل اللبنانيّين في الخارج من الضريبة. ويكون ذلك بإلغاء نصّ المادة 69 من المرسوم الاشتراعي رقم 144/1959 (قانون ضريبة الدخل) علماً أن هذه المادة تُخْضِع للضريبة إيرادات رؤوس الأموال الحاصلة في الخارج متى عادت إلى مقيم في لبنان. والمنطق الذي نستند إليه للمطالبة بإلغاء المادة 69 هو جوهر وروحية وفلسفة قانون الضرائب في لبنان والقاضي بإخضاع المقيمين وغير المقيمين للضريبة على مداخيلهم المحققة على الأراضي اللبنانية، أي بغضّ النظر عن مكان إقامتهم. فإقليمية الضريبة Territorialité هي الأساس وليست المواطنة أو الإقامة. فإلغاء المادة 69 من القانون 144/1959 هي عودة سليمة إلى الأسس التي قام عليها نظامنا الضريبي في لبنان. كما ورد في مطالعة المستشار القانوني للجمعية بتاريخ 29/7/2016 والتي زوَّدت بها الجمعية معالي وزير المالية.

ويكمن المستوى الثالث للتعامل مع موضوع التبادل التلقائي للمعلومات الضريبيّة في توفير الحدّ الأقصى من الحماية للمعلومات موضوع التبادل. وفي اعتقادنا أن منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية (OECD ) لم تردّ حتى الآن بشكل كامل أو مقنع على مسألة حماية المعلومات. وقد يكون مفيداً التفكير في بعض جوانب الحماية لدينا، كأن نوطّن مركز التبادل (الموقع الإلكتروني) في مصرف لبنان حيث وطّنت المصارف في مطلع التسعينيات من القرن الماضي نقطة تبادل المعلومات المالية من خلال شبكة سويفت العالمية الـ SAP  (Swift Access Point )، ما يعني جعل مصرف لبنان بموافقة وزارة المالية مسؤولاً عن إدارة عملية التبادل. والمستوى الآخر من الحماية قد يتوفّر باعتماد النموذج السويسري في  الانضمام إلى الإتفاقية، وقد تضمّن، من جهة، عدم تبادل المعلومات إلاّ مع الدول التي وقَّعت معها سويسرا إتفاقيات ثنائية. فنتأكّد عندها من حمايةٍ أكبر للمعلومات. كما تضمن، من جهة ثانية، عدم إعطاء معلومات بتاتاً عن مواطنيها للدول الأجنبيّة.

في الخلاصة، تأمل جمعية مصارف لبنان من المجتمع اللبناني، وبخاصة من مجلسي الوزراء والنواب تحديداً، إيلاء هذا الموضوع الاستراتيجي الأهمية والاهتمام الضروريَّين. فنحوِّل مسألة التبادل الضريبي من لعنة إلى فرصة يستأهلها بوجه خاص الاغتراب اللبناني المنتشر في كل أصقاع الدنيا، فلا نعرِّض مدّخراته لمخاطر يَسهُل تداركها من خلال إقرار بعض التعديلات أو بعض التشريعات البسيطة ومنها، بالإضافة إلى إلغاء المادة 69 من قانون الضرائب المشار إليها أعلاه، توسيع لا تضييق مفهوم الإقامة الاقتصادية في لبنان  عبر إقرار مشروع القانون الموجود حالياً في اللجان النيابية بحيث يسهِّل على اللبنانيّين في معظم دول الانتشار اختيار إقامتهم الاقتصادية في لبنان. فالمؤشرات على هكذا إقامة عديدة، من امتلاك المسكن إلى متابعة الأولاد تعليمهم في مدارس وجامعات لبنان فإلى ملكيّة مؤسسات أو أعمال في لبنان وسواها. وهكذا نعطي المغتربين مجدّداً الدافع الى العودة من خلال حماية مدّخراتهم لا تعريضها للمخاطر.


تم تحديث الصفحة في 19 أيلول 2016
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)