Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

أيلول-تشرين الأول 2016

إنطلاقة العهد الجديد من البُنى التحتية

 

                                                    

أما وقد صار لنا رئيس فلنُكثر من المطالبات!... ومَن يقرأ ويسمع رسائل الإعلام للأيام الأخيرة يتفاجأ بهذا الكمّ الهائل من المطالبات وكأنَّ كل الأبواب يجب أن تُفتح فجأةً على إنجازات يحلم بها اللبنانيون منذ الإستقلال! ويحلمون بإنجازها بسرعة البرق أيضاً!!. يحقّ للناس كل هذا التفاؤل مع بداية عهد جديد بل هذا العهد بالذات! فهو آتٍ من رحم إجماع وطني يكاد أن يكون شاملاً. وهو مُحاط بتبريكات إقليمية ودولية وافية وإلى ازدياد.

الأماني التي عبَّر عنها اللبنانيون في وسائل الإعلام لا حدود لها!. يريدون قانوناً عصرياً للإنتخاب بمعنى أن يفتح المجال للتمثيل الصحيح والمتوازن في آن. ويريدون أداءً إدارياً مثالياً يتّصف بالفعالية والنزاهة. وننسى أن الإصلاح الإداري الموعود منذ عقود مدفون في الأدراج. ومقولة الفعالية يصعب إنبعاثها وقد تمَّ، من جهة أولى، حشو الآلاف المؤلَّفة من الموظفين عفواً المتعاقدين والصفة الطاغية لديهم انعدام الكفاءة وكثرة الوساطة فيما تمَّ، من جهة ثانية، تفريغ الإدارة والمؤسسات العامة من معظم الكفاءات البشرية القادرة. أما مقولة النزاهة فحدّث ولا حرج! حتى أهل السياسة يتكلّمون، ولا مَن يحاسب، عن " قوننة الفساد ". ويريد اللبنانيون كذلك الحدّ من الهجرة، هجرة الشابات والشباب إلى أسواق العمل القريبة منها والبعيدة. فكيف يكون لنا ذلك دون معدّلات نمو كافية لاستيعاب العمالة اللبنانية ودون اعتماد معايير الكفاءة والمهنية بدلاً من الزبائنية والمحاصصة الطائفية البغيضة والمكلفة في القطاع العام ومؤسَّساته وفي كل ما يمتّ بصلة الى علاقة المواطن بدولته. ويتطلّع اللبنانيّون مع مستهلّ العهد الجديد، وهذا حقّهم، إلى العيش في بيئةٍ نظيفةٍ بالحدّ الأدنى من التلوث جواً وبحراً وبالحدّ الأدنى من التلوث الناجم عن النفايات والمولّدات الكهربائية. فالنفايات والمولّدات تُدار بعشوائية مكلفة بيئياً وبالتالي بشرياً، ويُدفع ثمنها في كلفة الفاتورة الصحية وتقصير أعمار الناس وتدهور نوعية حياة البشر والنبات والمياه الجوفية بل والسطحية.

 

كل هذه التطلّعات مشروعة وسيوليها العهد الجديد وحكومته العتيدة في اعتقادنا حيّزاً واسعاً من اهتماماته. وقد تطرّق خطاب القسم إليها صراحةً أو تلميحاً. بيد أن تحقيقها يتطلّب رؤية وبرنامج عمل يحدّد الأولويات ويحدّد الأكلاف ويحدّد بخاصة نموذج توزيع الأكلاف بشكلٍ عادلٍ على مكوّنات المجتمع طبعاً كلّ بحسب طاقته. فتنعدم معه الشكوى من أن ثمّة مناطق وفئات تتحمّل العبء الأكبر من الرسوم والضرائب بينما تستفيد فئات ومناطق أخرى من الحصة الأكبر من الإنفاق العام.

حديث الأولويات يجرّنا إلى المُلِّح والأكثر إلحاحاً. وترتيب الأولويات ليس عملاً تقنياً فقط بل هو ذو بُعد ومضمون إجتماعي واضح. والمهم أن لا تدفع ذات الفئات الإجتماعية دوماً الفواتير فتستفيد بالمقابل فئات أخرى من "سلوى" السلطة و"منِّها". ويمكن للعهد الجديد أن يحدّ كثيراً من هذا التفاوت ومن هذا الإختلال ومن هذه الفجوة في تمويل الإنفاق العام وفي وجهة هذا الإنفاق العام. خلال العقدين ونيّف الفائتين منذ اتفاق الطائف، وُضعت خططٌ كثيرة وبتسميات كثيرة تبنّت أبوّتها جهات عدّة، بما فيها مجلس الإنماء والإعمار!.. وكلّها انتهت إلى أدراج النسيان والإهمال إما لإفتقارها الى الجدّية وإما لإفتقارها الى الواقعية وتالياً الى التمويل، وإما أخيراً لأن طالبيها أرادوها أصلاً للتبجّح فقط بأن لديهم برنامج عمل أو خطة إعمار.

لكي نبعد عن المقولات الكبيرة والطموحات الكبيرة ولئلاّ نحمِّل العهد الجديد وحكومته الأولى فوق طاقتهما، نقول إن البداية في ما يخصّنا كقطاعات وكهيئاتٍ إقتصادية تنطلق من إعادة تأهيل البنى التحتية وتطويرها، أي من مجلس الإنماء والإعمار. هكذا وبكل بساطة!. فلقد آن الأوان لمعالجة ملف الكهرباء (ولنترك النفط جانباً!) بدءاً من مجلس إدارة ومدير جديد وصولاً إلى خطوط التوتر الواطي منها والعالي وإلى العدّادات الذكية مروراً طبعاً بمحطات الإنتاج الحديثة على الغاز. لا تحتاج عملية إصلاح قطاع الكهرباء لأكثر من سنتين. ولتنفَّذ عن طريق "البناء، التشغيل والتحويل" BOT أو باتفاقات من دولة إلى دولة، ولتموَّل عن طريق القروض الطويلة الأجل وذات الفوائد المتدنية جداً تماشياً مع المعدّلات السائدة عالمياً مع الإفادة كذلك من فترات سماح تمنحها المؤسسات المالية الدولية ذات العلاقة كالبنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية وصناديق التنمية العربية والبنك الأوروبي للإستثمار. وما ينطبق على مشاريع الكهرباء ينسحب على سائر البنى التحتية، خصوصاً على بنية الإتصالات بما فيها سعات وسرعات شبكة الإنترنت وشبكة الهاتف الثابت وشركات الخليوي. الكهرباء والإتصالات قطاعان يساهمان في حلّ المعضلتين اللتين أتينا على ذكرهما أعلاه: أي خلق فرص عمل للشباب ومعالجة موضوع التلوث ونظافة البيئة. إن الإتيان بإدارة جديدة لمجلس الإنماء والإعمار تتمتّع بالمهنية وبالدينامية المطلوبة وبالنزاهة في هذه المرحلة الجديدة هو المدخل لإعادة تأهيل وتطوير البنى التحتية. علماً أن إتفاقات القروض موجودة ومن الضروري توسيعها وتفعيلها. ثم أن تطوير البنية التحتية يشكّل بدوره المدخل إلى معدّلات نمو مقبولة للإقتصاد الوطني. فالإستثمار العام في البنى التحتية يشجّع الإستثمارات الخاصة الأجنبية واللبنانية في مختلف الأنشطة والقطاعات الإقتصادية. إن ضعف معدّلات النمو في السنوات الأخيرة يعود أساساً إلى ضعف وغياب الإستثمار كفاءةً وكفايةً.

الكلام عن البنى التحتية في أبسط مقاربةٍ أي البنى التحتية المادية وفي أبسط مكوّناتها أي الكهرباء والإتصالات، أيّاً تكن درجة إلحاحها، يجب ألاّ يحجب البنى التحتية البشرية والإجتماعية، عنينا بها التربية والتعليم، من جهة، والضمان الإجتماعي بشقّية الصحي والتقاعدي، من جهة ثانية. تستأهل طبعاً هذه البنى إهتماماً شاملاً من كل الخبراء ومن واضعي السياسات ومن إداراتها وآليات تنفيذها. عنصر الوقت ثمين وضاغط. فالحكومات تأتي وتذهب بلمحة بصر نسبياً وكذلك العهود. من هنا جاءت فكرة فترة المائة يوم الأولى من عهد الحكومات والرئاسات. وإذا تشكَّلت الحكومة في مدى عشرين يوماً والى حين نيلها ثقة المجلس النيابي يكون قد انقضى ربما حوالى 40 يوماً من تاريخ القسَم، أي أكثر من ثلث المائة يوم. فلتوقف الطبقة السياسية هدر الوقت ولتبدأ رحلة العمل بأسرع ما يمكن!...



تم تحديث الصفحة في 07 تشرين الثاني 2016
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)