Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

كانون الثاني 2017

الموازنة: مناقشة هادئة

في مصلحة الاقتصاد والناس !..

                             

استطاعت الضجّة الإعلامية حَرف النقاش بشأن مشروع موازنة العام 2017 عن الكمّ الهائل من التعديلات الضريبيّة – أكثر من 50 تعديلاً – التي تصيب الناس في مؤسّساتهم وأرزاقهم ومداخيلهم وأخذ هذا النقاش إلى مكانٍ آخر، هو الضريبة على الفوائد وعلى المصارف، ولنا عودة إلى هذه الجزئيّة. وراح هذا الصخب الإعلامي يضخِّم الموضوع من خلال نشر مضمون المذكّرة إلى معالي وزير المالية وتدعيمه بمحضر اجتماع اللقاء الشهري وكأن هذين النصَّين من أسرار الآلهة بينما وُضِعا لإعلام السلطة النقدية والمالية بمخاطر منحى التكليف الضريبي المدرج في مشروع الموازنة وانعكاساته الفعلية على سمعة البلد وعلى السياستين النقدية والمالية. ولنا عودة إلى ذلك بعد التوقف، من جهة أولى، عند المبادىء الضريبية التي تُسيءُ إليها التعديلات المطروحة، ومن جهة ثانية، عند الأعباء الضريبية الجديدة والكثيرة التي ستترتّب على الأُسَر والأفراد والمؤسّسات، بما فيها المصارف.

لقد تمَّ تضمين مشروع موازنة العام 2017 مجموعةً من التعديلات التي تُلغي عملياً مبادىء ضريبية سليمة وعريقة أدرجها المشترع على امتداد أكثر من سبعين عاماً بغرض حماية المكلَّفين ضد تعسّف السلطة. ونرى من الضرورة تفصيلها ليكون الرأي العام والسادة الوزراء ونواب الأمة على دراية بما هم مقدمون عليه!.

تلتفّ النصوص المدرجة في المواد 29 على حقّ الإبلاغ، بما يتعدّى النشر في جريدتين وفي الجريدة الرسمية، إذ أن أقلّية من الناس تقرأ الصحف. وطلب الاسترداد هو حقّ طبيعي للناس أيضاً، وكذلك الحق بتقديم المستندات والمعلومات الإضافية إذا توافرت بعد مراجعة مراقبي الضرائب فتُضَمّ إلى ملفّ المراجعة. وتتعرّض المواد 32 و 33 و 34 عملياً لهذه الحقوق.  بل أكثر من ذلك، تتضمّن تهديداً واضحاً لمن يتجرّأ على ممارسة هذه الحقوق البديهية بفتح المراجعة مجدّداً، ما يلغي عملياً الفترة القانونية للتحقّق الضريبي، وهي أربع سنوات بالإضافة إلى سنة المراجعة.

وتتعرّض المواد العشرة التالية (35 حتى المادة 44) للأسس السليمة التي قامت عليها طوال عقود ضريبة الأملاك المبنيّة. فالتعديلات الجديدة تُخضِع الأبنية المعدّة لاستثمار الشركات التجارية لضريبة (هي في الحقيقة رسم) بمعدّل 2% من القيمة التأجيرية، ولا تنزّل كما يفرض المنطق من الضريبة المترتّبة على الخاضعين لها على أساس الربح الحقيقي، بل يمكن للمكلّف إنزال قيمتها من الأرباح غير الصافية. إنه مذهب جديد تذهب إليه الإدارة الضريبيّة! يُضاف إلى هذا الرسم رسمٌ آخر قدره مليونا ل.ل. على كل فرع من فروع المؤسّسة أو الشركة! ما يخلق ازدواجاً ضريبياً واضحاً.

وتنسف التعديلات على ضريبة الأملاك المبنيّة مبدأ الشغور وتجعله 6 أشهر للأبنية القديمة و18 شهراً للأبنية الجديدة، أي أنه يتعيّن على مالكي هذه الأبنية الشاغرة أو على المطوّرين العقاريّين أو على الملاّكين العاملين والمقيمين في الخارج مع أُسرهم، على كل هؤلاء أن يؤدّوا ضريبة الأملاك المبنيّة وكأنّ الأبنية مؤجّرة أو مشغولة. وكلّنا يعلم مدى البطء في بيع هذه الأبنية نتيجة الأزمة الاقتصادية وجمود السوق. وإلزام مالكيها بأداء الضريبة عليها وهي شاغرة إجراء ينطوي على ظلم، وقد يؤدّي إلى إفلاس العديد من الشركات المعنيّة بهذا القطاع. وتطرح هذه المواد تعديلاً كبيراً في رسم الأملاك المبنيّة التي تضاعفت بمعدّلات تراوح بين 3 أضعاف و 1,5 ضعف. وتشكِّل هذه الزيادات أعباء كبيرة على العقارات التي يشغلها مالكوها!.. ومعظمهم إما من الطبقات الوسطى أو من العاملين الذين استملكوا مساكنهم بشقّ النفس من خلال آليات الإقراض السكني التي توفّرها المصارف... وكأنّ مالكي الأبنية السكنيّة ينقصهم هذه القشّة التي ستقصم ظهر البعير!.

أما المواد 49 وحتى 57 من قانون الموازنة، فتُدخِل تعديلاتٍ على نظام شركات الأوف شور على نحوٍ يدعو أحياناً للعجب بل وللاستغراب. وبغضّ النظر عن مضاعفة الضريبة المقطوعة عليها من مليون إلى 5 ملايين (المادة 47)، فإنه إذا اكتشف مراقب الضرائب مخالفةً، ولو بسيطة، فالمخالفة الفردية تعمَّم على كل أعمال الشركة. وتخضع عندها للضريبة كما لو كانت شركة عادية، بينما سابقاً كان القانون يُخضِع المخالفة ذاتها للغرامة. ومن البديهي أن هذا التدبير يفتح مجالاً لاستنساب مراقبي الضرائب وباباً إضافياً للفساد!..

وتضمّنت الموادُ الضريبيّة (من المادة 49 وحتى المادة 57) في مشروع الموازنة تعديلاتٍ كثيرةً على رسم الطابع المالي. يأتي في مقدّمها رسم نسبي قدره 3 بالألف يطبَّق على كل مدفوعات الدولة والبلديات والمؤسّسات العامة للناس. ويصبح الرسم 4 بالألف (المادة 51) لسائر العمليات. يُضاف إليه رسم طابع قدره 1,5% (!) عن كل متر مربّع من القيمة التخمينيّة التي تحدّدها لجنة التخمين المختصّة في كل محافظة! أي أن ثمّة باباً أوسع يُفتح للاستنساب وللفساد!. ولِمَ لا تُجمع هذه اللجان بلجنة مركزية (؟!) يسهل تعيين أعضائها من ذوي الخبرة والسيرة الحسنة!

ضريبة أيضاً مستهجنة تقترحها المادة 58 بنسبة 1% من قيمة كل عملية استيراد وتصدير!.. ويمكن إنزالها من الضريبة السنوية على الأرباح. أما إذا لم تحقّق الشركة أو الجهة المستوردة أرباحاً، فالله يعلم كيف يتمّ التعامل مع المبالغ المستقطعة!

ويتضمّن مشروع الموازنة لعام 2017 في المادة 60 منه فرض رسم استهلاك بمعدّل 4% على المازوت، ما سيؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي وتكاليف استهلاك المواطنين لهذه المادة الحيوية. أما الرسوم على السيارات والمركبات، فقد زيدتْ بنسبٍ غير مسبوقة حيث تضمنَّت المادة 61 تعديــلاً للبند  "رابعاً" من جدول الرسوم الملحق بالقانون 76/67 وتوزيعها ضمن أربع فئات تبعاً لتاريخ التصنيع وقوة المحرّك. يُدفع على الفئة الأولى من السيارات والمركبات من عمر13 سنة وما فوق - بحسب تاريخ الصنع- رسم يمتدّ من 40 ألفاً إلى 345 ألفاً حتى قوة 51 حصاناً. والفئة الثانية من عمر 12 إلى 5 سنوات ستترتّب عليها رسوم قدرها 855 ألفاً لقوة 51 حصاناً فصاعداً، والفئة  من عمر 4 سنوات إلى 2 سنتين يترتّب عليها رسم قدره 1,8 مليون ل.ل. لقوة 51 حصاناً، فيما يبلغ الرسم على الفئة الواقعة ضمن السنتين 3,72 مليون ل.ل. لقوةـ 51 حصاناً وما فوق.

وتتضمّن المادتان 62 و 63 من مشروع الموازنة تعديلات على أنظمة ورسوم الكتّاب العدول حيث زيدت كافة الرسوم مع تحديد أتعاب الكاتب العدل بمقدار علاوة 20% من قيمة الرسوم المستوفاة لحساب الخزينة.

أما زيادة الضريبة على أرباح الشركات بموجب المادة 64 من 15% إلى 17% فليست مشكلة بحدّ ذاتها، بل تكمن المشكلة في قدرة الإدارة الضريبيّة على تطبيقها بشمولية وعدالة بحيث يشكّل تطبيقها الاستنسابي أو الانتقائي عبئاً على المؤسّسات المسجّلة والمكلّفة بينما لا تلحق هذه الضريبة شريحة كبيرة من المؤسّسات ما زالت مكتومة ولا تدري بها أجهزة الوزارة. يبقى تفعيل الجباية أولاً هو المقاربة الأفضل بدلاً من إثقال الملتزمين بتأديتها بأعباء إضافية.

وتندرج في ذات السياق الزيادات التي أُدخِلَتْ على ضرائب ربح التحسين وأرباح التفرّغ عن الأصول الثابتة بما فيها التفرّغ عن العقارات. ورفعت هذه الزيادات مجمل هذه الضرائب من معدَّل 10% إلى 15%، أي بزيادة نسبتُها 50% (!!). فلماذا لا تُرفع تدريجياً أسوةً بضريبة القيمة المضافة التي زيدت من 10% إلى 11%. وحبّذا لو تضمّن مشروع الموازنة تخفيضاً لموجب التصريح عن القيمة المضافة بحيث يترتّب على كل قطاع المؤسّسات، فلا يصبح رقم الأعمال (حتى 150 ألفاً) حجّةً للالتفاف على موجب التصريح وتالياً على أداء الضريبة!.. هل يمكن الإدارة الضريبيّة أن تعلن عدد المؤسّسات التي تصرّح عن هذه الضريبة من أصل أكثر من 370 ألف مؤسّسة عاملة؟!

يضاف إلى ذلك أن المادة 68 تُلغي حق الاسترداد والإعفاءات كلّها عن الجرائد والمستشفيات والمؤسّسات التربوية، وبخاصة الجامعيّة منها، ما سيرفع كلفتها وتنعكس تالياً على كلفة الاستشفاء والتعليم!..

وترهق التعديلات الضريبيّة نواحي حياتية كثيرة للناس العاديّين. فهي تفرض (المادة 69) رسم 6000 ل.ل. على كل طن من الإسمنت، أي ما يوازي 4% على السعر؛ وها هي تُضاعِفُ خمس مراتٍ الرسوم على المشروبات الروحية (المادة 70) ما يؤثّر على عمل العديد من المؤسّسات التجارية والسياحية وما يشجّع التهريب بأبشع صوَرِه!..

وتضع الموازنة في موادها 71، 72، 73 و74 رسوماً على المغادرين عبر الجو بقيمة 75 ألف ل.ل. للدرجة السياحية!.. ورسوماً على الحاويات (80 ألفاً لـ 20 قدماً و 120 ألفاً لــــ 40 قدماً). ومن شأن هذه الرسوم المتزايدة أن تحدّ من تنافسيّة السفر إلى لبنان، إذ باتت بطاقات السفر الى بيروت من الأعلى عالمياً قياساً الى المسافة. وحتى جوائز اليانصيب الوطني تخضعها المادة 74 لنسبة ضريبة قدرها 20% لما تعدّى 10 آلاف ل.ل.!..

أخيراً وليس آخراً، لقد تمَّ ابتداع رسم قدره 2% (المادة 75) من أصل قيمة رسم الفراغ العقاري، وفي حال عدم تسجيل العقد في الصحيفة العينية خلال سنة واحدة يسقط حق الاسترداد ويصبح عملياً رسم التسجيل 7% بدلاً من 5% !.

يكمن مِسكُ الختام في المادة 83 التي تنصّ على تقسيط ديون الدولة للضمان الاجتماعي على عشر سنوات وبدون فائدة. ما يعني تآكل قيمة هذه الديون من خلال التضخّم. وتعطي هذه المادة لوزير المالية سلطة تقرير الأقساط السنوية!.. إنها أموال المضمونين، فكيف يقبل الاتحاد العمالي العام بأن يتخلّى ببساطة وبسهولة عن حقوق المضمونينن أي عن حقوق العاملين بأجر في البلد!.. وليتذكّر أعضاء مجلس إدارة الضمان كيف واجهنا بالرفض القاطع هذا الطرح المتكرّر من قبل حكومات سابقة!.

بالعودة إلى الضريبة على الفوائد التي يقترح مشروع موازنة العام 2017 في المادة 67 رفعها من 5% إلى 7%  كما يفرض طريقة احتساب جديدة للضريبة في ما يخصّ المصارف. وطبعاً، لجمعية المصارف في هذا الموضوع موقف يتلخّص بأربع نقاط: ترتكز الأولى على كون طريقة الاحتساب الخاصة بالمصارف تخلق تمييزاً مزدوجاً بين المصارف والمؤسّسات الأخرى الخاضعة للضريبة على الأرباح المحققة، إذ سيكون معدّل ضريبة الأرباح لدى المصارف في المتوسط 34% مقابل 17% لقطاع المؤسّسات؛ وتخلق تمييزاً فيما بين المصارف ذاتها، إذ ستراوح هذه الضريبة من 17% إلى 76% تبعاً لحجم المصرف ولتكوّن بنية توظيفاته. وتتمثل المأخذ الثاني في عدم جواز التكليف بمفعول رجعي! فالأدوات موضع التكليف أي سندات الخزينة وشهادات الإيداع تحملها المصارف في محافظها لفترة زمنية تبلغ 7 سنوات في المتوسط؛ وترى الجمعية ثالثاً أن تثقيل أرباح المصارف بهذه الأعباء الضريبية الجديدة يجعل الاستثمار في القطاع غير جاذب للمستثمرين الجدد في فترة تحتاج المصارف إلى زيادة كبيرة في رساميلها للالتزام بمعايير الصناعة المصرفية العالمية: معايير بازل للملاءَة والسيولة والمعايير المحاسبية المالية الدولية IFRS9 وغيرها. وترى الجمعية رابعاً وأخيراً أن هذه التعديلات الضريبية ستزيد كلفة موارد المصارف وتوظيفاتها بالضرورة، ما يرفع كلفة تمويل الاقتصاد وتالياً يحدّ من النمو في الفترة القادمة في حين أن سياسة الدولة المعلنة في بيانها الوزاري ورئاسة الجمهورية في خطاب القسم التزمت تحفيز الاقتصاد لا قمع الاستثمار أو ردعه.

يتساءل المواطن لمَن ولماذا كل هذه الضرائب والرسوم؟ فزيادة الضرائب في اقتصاد منعدم أو قليل النمو يعمِّق الركود ويطيل فترة انطلاق الحركة الاقتصادية. ويتساءَل المواطن كيف نحمِّل الاقتصاد والناس هذا الكمّ من الضرائب والرسوم دفعةً واحدةً فيما الدولة قاصرة عن وقف التهرّب الضريبي من قبل شرائح واسعة من المكلّفين بل وغير قادرة على جباية ضرائبها من مناطق واسعة في البلد. فالهدر المنظَّم في المرافق والمرافئ العامة بات واضحاً وفاضحاً. والضرائب والرسوم الجديدة تعني في النهاية مضاعفة أعباء فئات ومناطق بعينها تلتزم تأديتها. ويُضعِف مثل هذه التمييز الشعور بالمواطنة ما يقوّي الانكفاء والهجرة ويؤدّي في النهاية الى ضمور قاعدة التكليف الضريبي. فلا يستسهلنَّ أحدٌ زيادة وفرض الضرائب والرسوم.

حاشية أخيرة لعلم مَن يستهدف القطاع المصرفي عمداً أو جهلاً: المصارف تحتاج إلى تقوية أموالها الخاصة واحتياطيّاتها ومؤوناتها من خلال أرباحها واستثمارات جديدة لكي تستمرّ في تمويل الدولة (39 مليار دولار) والاقتصاد ( 55 ملياراً) وفي دعم احتياطيّات مصرف لبنان فيتمكّن من تثبيت سعر صرف الليرة! ذلك أن قواعد المحاسبة المالية العالمية الجديدة IFRS9 التي ستطبّق عام 2018 تصنّف مخاطر القطاع الخاص والدولة اللبنانية والبنك المركزي بمستوياتٍ عالية جداً، ما يتطلّب رسملة عالية بدورها.


تم تحديث الصفحة في 27 شباط 2017
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)