Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

شباط - آذار 2017
تعمّق الأزمة وانفتاحها على المجهول: في مصلحة مَن؟..


تكشف المناقشات والحركات الجارية على هامش مشروع موازنة العام 2017 والتي تدور أيضاً حول مشاريع قوانين الانتخابات هشاشة وتناقضات إقتصادية وسياسية متزايدة لا يُنذر استمرارها بأيّ خيرٍ للبلد وللناس الذين ترمي هذه المجادلات إلى التكلّم باسمهم والدفاع عن مصالحهم بل وحمايتها. ويقوم تلازم عضوي بين ما يدور بشأن الموازنة وقانون الانتخاب لكون السلطة المقرّرة بشأنهما واحدة موحَّدة ولكون المصالح المرتبطة بهما كبيرة ويمكن رؤيتها واضحةً بالعين المجرّدة.

بالرغم من هذا التلازم، سنترك جانباً موضوع قانون الانتخاب. فلسنا من ذوي الاختصاص كما أننا على غرار سائر المواطنين لم نَعُدْ قادرين على متابعتها لتعدّدها أو مهتمّين بها لتشابه الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها وفي طليعتها تجديد المحاصصة في وطننا العزيز لبنان. وشرُّ البلية هو هذا الانسياق الأعمى للشعوب اللبنانية، وحتى لفئة المثقفين والمناضلين بحقّ من أجل التغيير، إلى مواقف وطروحات تنتهي بأن تصبّ في خانة أكلة الجبنة إيّاهم.

لقد قامت الدنيا ولم تقعد بعد حول موضوع الضرائب التي أُدرِجَتْ في مشروع قانون الموازنة المقدَّم إلى الحكومة. وقد كتبنا في افتتاحية النشرة الشهرية السابقة لجمعية المصارف مقالاً مطوَّلاً بشأنها لن نعود إليه. ولكن تبقى لنا في موضوع الضرائب بضع ملاحظات، قد تلتقي مع ما تضمّنته كتابات العديد من الاقتصاديّين وأصحاب الرأي على هذا الصعيد. ونقول رأي المثقفين والمناضلين والمتظاهرين حرصاً على صدقيّة ما يعملون لأجله وما ينادون به بعيداً عن مقولات وطروحات المستفيدين من نظام الاستبداد والفساد.

تتعلق أولى ملاحظاتنا بأرباح المصارف والضرائب عليها حيث أنه، على الرغم من اقتناعنا بالفجوة السحيقة بين طروحات المستفيدين من مجتمع السياسة وطروحات المثقفين المناضلين لاحظنا التقاءهم جميعاً - نكاد نقول - على التأشير إلى أرباح المصارف وضرورة أن تدفع هذه الأخيرة كلفة السلسلة البالغة 1200 مليار ليرة لبنانية، ما يوازي 800 مليون دولار. وأرباح المصارف كما بات معلوماً ومتداولاً تشمل بندين مختلفين، يتمثّل الأول في الأرباح السنوية الجارية، وهي بحدود 2000 مليون دولار، تؤدّي المصارف عنها ضريبة سنوية مقدَّرة بمبلغ 300 مليون دولار، أي بمعدَّل الضريبة المعتمدة على أرباح الشركات وهي 15% بدون احتساب ضريبة التوزيع التي تبلغ نسبتها 10%!. بالمناسبة، سدَّدت المصارف عام 2015 وهو العام الأخير الذي تتوافر عنه معلومات منشورة من قبل وزارة المالية ضريبة أرباح قدرها 539 مليار ل.ل. (364 مليون دولار)، ما يُمثِّل حسب بيانات وزارة المالية نسبة 48.9% من مجموع ضريبة الأرباح على الشركات والمؤسّسات الفردية والمهن الحرَّة!... البالغة استناداً الى الوزارة 1103 مليار ل.ل. (750 مليون دولار). والغرابة كل الغرابة في هذا الإطار لا تعود إلى النسبة العالية من ضرائب المصارف مقارنةً مع سائر الشركات والمهن الحرّة، بل تعود إلى ضحالة ما تجبيه إدارة الضرائب المباشرة لدى الوزارة قياساً إلى حجم الأرباح خارج القطاع المصرفي. ويُشير هذا الواقع إلى قصور فادح في التكليف وفي الجباية على السواء ما يفوِّت على الخزينة مبالغ هائلة، حبّذا لو احتسبت أجهزة الوزارة مقاديرها وأعلنتها على الملأ.

أما الشق الثاني من واقع الأرباح، فيكمن في الأرباح الاستثنائية التي حقّقتها المصارف لمرّة واحدة بنتيجة عمليات المقايضة(السواب) التي أجراها مصرف لبنان مع المصارف بقرار من المجلس المركزي، والتي فاقت حصيلتها للمصارف حدود الخمسة مليارات دولار. وبالرغم من أن تعاميم مصرف لبنان، ولاحقاً لجنة الرقابة على المصارف، ألزمت المصارف بتخصيص هذه الإيرادات، من جهة، لتدعيم قاعدة رساميلها تحضيراً لتطبيق معايير الملاءة الدولية، ومن جهة ثانية، لتكوين مؤونات كافية تمهيداً لتطبيق معايير المحاسبة المالية الدولية المعروفة بالـ IFRS9 ، نقول بالرغم من هذين الموجبين، واستناداً إلى المراسلات بين الجمعية ووزارة المالية، فقد تقرّر أن تدفع المصارف ضريبة أرباح على هذه العمليات بمعدّل 15% بموجب تصاريح الأرباح من أيار 2017 عن أعمال العام 2016 عند إنجاز هذه العمليات. ولسببٍ نجهله، فقد أغفل المعنيّون في وزارة المالية وتحديداً في إدارة الواردات الضريبيّة، أن يلحظوا هذه المبالغ الكبيرة في إيرادات الموازنة كما عُرِضت في حينه على مجلس الوزراء! ومن المرجَّح بعد النقاش الذي دار بشأنها في طول البلاد وعرضها أن تكون المبالغ الناجمة عن هذه الضريبة قد أُدرِجَت كاملةً في باب الإيرادات في الصيغة التي سترسَل إلى المجلس النيابي الكريم. إن هذه المداخيل الاستثنائية تغطّي كلفة سلسلة الرتب والرواتب بانتظار تمكّن العهد وحكومته الأولى من بلورة رؤية إقتصادية وضريبيّة للمرحلة القادمة. ونوضح "لضعيفي الإيمان" الذين ذهبوا في كتاباتهم إلى أن المصارف ستنجو من أداء الضريبة على "السوابات" أو أية تكاليف قد تترتّب عليها فيما لو أُقــرَّت بعد أيار 2017، نوضح لهؤلاء أن هذه الضريبة الاستثنائية هي بطبيعتها ضريبة نوعية تسدَّد من خارج التصريح السنوي لمعظم المصارف في حال إقرارها من المجلس النيابي.

تتعلّق ثاني ملاحظاتنا حول مشروع قانون الموازنة بذلك الكمّ الهائل من الضرائب والرسوم الذي تضمّنه المشروع الذي قُدِّمَ إلى الحكومة. وحسناً فعلت الحكومة بتخفيفه من العديد من الضرائب الجديدة و/أو من العديد من الزيادات المضافة على معدّلات وأرقام الموجود منها. ويعود الفضل في ذلك إلى الحراك المدني الذي جاء معبِّراً عن ألم شرائح واسعة من المكلَّفين وعن ألم فئات واسعة من الناس المغلوبين على أمرهم. ربح الحراك المدني والرأي العام هذه الجولة الأولى لأن كلفة الفساد على البلاد والعباد باتت باهظة ويصعب احتمالها والاستمرار في أنماطها وأنظمتها. وبسحرِ ساحرٍ، إلتقت معظم لئلاّ نقول كل أحزاب وأطراف السلطة في لبنان على توجيه التهم ولو جزافاً إلى أرباح المصارف، علَّ ذلك يُبعد أو يُغطّي أو يبرّر التهمة بالفساد. المهمّ ألّا يؤخَذ الرأي العام بما ذهب إليه أهل السياسة.

فالتسرُّع بالاستنتاج وتالياً الخطأ في تحديد مجالات وآليات التغيير والإصلاح المطلوبين يؤدّي حتماُ إلى استمرار السياسات ذاتها التي تحتجّ أكثرية الناس عليها. وتستمرّ معه نُظُم وآليات الهدر، التي تقدّرها بعض التقارير بما يفوق 4 مليارات دولار أميركي سنوياً. أي ما تقارب نسبته 7,5% من الناتج المحلي الإجمالي!..

تتعلّق ثالث ملاحظاتنا، فيما يتخطّى مشروع موازنة العام 2017، بالوضع الاقتصادي والاجتماعي العام. فليس من الجائز بل من الجائر أن تكون مداخيل معظم اللبنانيّين العاملين بأجر، وحتى أصحاب المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة، أن تكون متدنّية فتتّسع معها نسَب اللبنانيّين، من الأفراد والأُسر، الذين يعيشون عند حدود الكفاية وحافة الفقر. فضعف المداخيل في المطلق وسؤ توزّعها الطاغي يشكِّلان سببَيْن وجيهَيْن من أسباب ضعف النمو الاقتصادي من خلال آلية الطلب الموصوف بالكَينزي. ويندرج لبنان بذلك في سياق الأزمة التي يعانيها بشكل عام الاقتصاد العالمي. وقد امتلأت بعض الصحف المحترمة في الولايات المتحدة خلال الأعوام القليلة الماضية بالمقالات حول موضوع تفاوت المداخيل الذي جعله كتّابها من الحائزين على جوائز نوبل في الاقتصاد ( كروغمان، ستيغلتز...) وغيرهم كتوماس فريدمان من أسباب صعود اليمين المتطرّف ونجاح ترامب وخروج إنكلترا من الاتحاد الأوروربي. ويمكن العودة إلى مقالة جيّدة في الاقتصاد السياسي لهذه الظاهرة نشرتها جريدة "الأخبار" اللبنانية مؤخراً.

إن هذا التدنّي في مستوى المداخيل بات عاملاً طارداً للشباب اللبناني من لبنان إلى أسواق العمل الإقليمية والدولية كما أن غياب بيئة مؤاتية للأعمال وحاضنة لأفكار وابتكارات روّادنا الشباب فاقم أزمة البطالة. فالمؤسّسات العاملة في لبنان غير قادرة على توفير فرص عمل بأجورٍ كافية للعيش الكريم بسبب تدَّني إنتاجيتها، من جهة، وبسبب ضيق أسواقها،من جهة ثانية. وازداد هذا الوضع تفاقماً مع ضمور استثماراتها وتعاظم ديونها من القطاع المصرفي قياساً على رساميلها. وليس سهلاً الخروج من هذا القمقم دون إحداث إختراقاتٍ عديدة، بعضها على المستوى السياسي وبعضها على المستوى المعيشي وبعضها على المستوى المؤسساتي وبعضها أخيراً على مستوى الدولة. فهذه الدولة بإداراتها ومؤسّساتها العامة تُعيق نمو وتطور الاقتصاد وتُعيق الازدهار بينما المطلوب تدخُّلها الذكي والنوعي والواعي في النشاط الاقتصادي من خلال رؤية إقتصادية مأمولة يبدو أن العملَ عليها جارٍ على قدم وساق! فعسى خيراً.

في الختام، يشكِّل القطاع المصرفي بإمكاناته المادية والبشرية الراهنة إلى جانب الجيش اللبناني دعامتَيْ الاستقرار النقدي والمالي والاجتماعي للبلاد. ولديه وحدَهُ القدرة التمويلية على مواكبة أيّة خطة مفيدة ومدروسة يمكن للعهد الجديد وحكومته الأولى اعتمادها مقرونةً بإرادة جدّيةً لوضعها موضع التنفيذ. طبعاً، تتعرّض المصارف بسبب المخاطر المحيطة بعملها للمحاصرة من الخارج. وتتعرّض لحملة شيطنة من الداخل. فبدل أن تنصبَّ الجهود العامة والخاصة على تطوير القطاعات الإنتاجية في الصناعة والزراعة والحِرَف وتقنيات المعرفة؛ وبدلَ أن تنصبَّ الجهود كافةً على تشجيع الاستثمار والتجديد والإدارة الرشيدة للمؤسّسات فتزدهر وتتطور على غرار القطاع المصرفي، يريد البعض الإساءة إلى قطاع نجح في استقطاب مدّخرات اللبنانيّين وفي مواكبة القواعد المهنية الحديثة وفي تمويل الدولة والاقتصاد والبنك المركزي على السواء!. فالنجاح يحتاج إلى رساميل وإلى موارد بشرية مؤهّلة وإلى تقنيات ونُظُم العمل الحديثة كما يحتاج إلى النوعية والى اعتماد المعايير الدولية والكفاءة في المنافسة. وتشكِّل المصارف على هذا الصعيد نموذجاً لتطوير الأنشطة والقطاعات الأخرى. لذا، ليس مفيداً في شيء أو وطنياً في شيء كل هذا التعامل المجحف مع المصارف. وكأنّ المطلوب إنزالها إلى مستوى الأداء المتدنّي بدل رفع الأداء المتدنّي إلى مصافها.

كان الإمام المغيَّب السيد موسى الصدر عند مروره بمحاذاة حقول التبغ في مناطق النبطية وصور وبنت جبيل يقول لصحبه:" بعض أهل اليسار والسياسة يريد، بحجّة المساواة والعدالة، أن يجعل شتل التبغ الكبير يتساوى مع الشتل الصغير بدَلَ إنماء الشتول الصغيرة لتساوي الشتول الفارعة والنضِرة..."

أملنا أن تعمل الدولة على تكبير الاقتصاد فتعظم حصتها من الضرائب والرسوم، وأن يساعد أهل الوعي والحصانة الوطنية في ازدهار الاقتصاد. والمصارف عامل أساسي وحيوي لإنجاح السياسات المطلوبة. فلنكُّف عن استعدائها ظلماً ومجاناً.

***********

تم تحديث الصفحة في 03 نيسان 2017
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)